حيدر حب الله
10
شمول الشريعة
قلوبهم أو جوارحهم ، فليس هذا الإله بالذي خلق فترك ، بل هو بالذي خلق فرعى وتابع الخلق في حاجاته التكوينية والعمليّة معاً . إنّ الله بفعل هذا التوجيه المتمثل - فيما يتمثل - بالنبوّات ، أجلى نفسه لنا ووضعنا في مواجهة أمامه ، إنّ الكتب السماويّة التي بيد البشر كفيلة بأصل وجودها بخلق إحساس فينا أنّ الله حاضر ويتكلّم ويخاطب . . إنّ نُسخ القرآن الكريم والكتاب المقدّس في البيوت تخلق في الروح الإنسانيّة إحساساً عميقاً ولاواعياً بحضور الله وعدم غيابه ، فهو لم يتركنا بل دخل معنا في حوار ودخلنا معه ، ويمكنك أن تشعر بذلك لو تخايلت الصورة دون أيّ نبوات أو تجلّيات لله من هذا النوع عبر تاريخ البشر على الإطلاق ، فسترى هناك أنّ الله غائب ولن تشعر بثقل حضوره بحجم حضوره مع النبوّات ، وبهذا يلبّي التدخّل الإلهي حاجةً إنسانيّة عميقة ( حاجة المواجهة مع الله ) بأصل وجوده وصرف تحقّقه ، تماماً كما يشعر من لديه رسالة خطيّة من الملك الحاكم والسلطان المقتدر للبلاد ، موجودة في بيته . الموقف الثاني : وهو موقف الإلحاد ، والذي يتجه نحو إنكارٍ جذري لفكرة ( الله ) ، فيرى أنّها فكرة وهميّة لا واقعيّة لها ، ولا تحظى بأيّ مصداقية على أرض الواقع وفي أفق الحقيقة ، أو أنّها فكرة غير ثابتة ببرهان منطقي . إنّ هذا الإلحاد - بشكلَيه القديم والجديد - تخلّى تماماً عن فكرة وجود الله ، وهو من ثَمّ يتخلّى نهائيّاً عن فكرة تدخّل هذا الإله في هذا الوجود ، سواء كان تدخلًا تكوينيّاً أو توجيهيّاً إرشاديّاً تشريعيّاً هدايتيّاً . . ما شئت فعبّر . هذه الثنائية ظلّت حاكمة ، لا أقلّ في فضاء الأديان الإبراهيميّة ، حتى القرن السابع عشر الميلادي ، حيث ظهر تيّار في الغرب ما لبث أن اتسع نطاقه عالميّاً بدرجة معيّنة ، وهو ما يعرف بالمذهب الربوبي أو المذهب الطبيعي ( Deism ) . هذا المذهب يقع في حلقة وسطى بين الأديان والإلحاد ؛ لأنّه يشترك مع كلّ واحد منهما في قواسم محدّدة ، ويختلف عن كلّ واحد منهما في دوائر أخَر ، ففي الوقت الذي يشترك فيه مع الأديان السماويّة في وجود الله وخالقيّته ، ينكر تماماً تدخّل الله في العالم - مع اختلافات بين أنصار هذا المذهب في درجاتِ وسعةِ هذا الإنكار - فالله لا يتدخّل في هذا العالم بعد أن خلقه ، لا تدخّلًا تكوينيّاً ولا غيره ، وقد يشبّه الله بصانع الساعات الماهر ، فإنّ الصانع الماهر المبدع هو